السيد عباس علي الموسوي

89

شرح نهج البلاغة

الذي يريدون بأفصح بيان وأبلغ كلام والكلام أصل فينا وطبيعة من طبائعنا فنحن معدن الكلام ومنشأه وما عند الناس إنما هو شيء عنا فاض منا فأخذوه وتكلموا به . . . ( واعلموا رحمكم اللّه إنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل واللسان عن الصدق كليل واللازم للحق ذليل ) ذكر الزمان وبعض قبائحه فإنه زمان سئ قبيح لئيم والزمان بأهله ، يخاطب ويراد من خلاله الناس الذين فيه . وقد وصف أهل الزمان « القائل فيه بالحق قليل فالمتكلمون بالحق قليلون وأما أكثر الناس فيتكلمون بالباطل إما لخبثهم أو للخوف على أنفسهم أو مداراة للناس أو لبعض الدواعي غير الشرعية مخالفة منهم لأمر اللّه وحكمه . وأما اللسان فإنه يعجز عن قول الصدق لغلبة الهوى وقوته ولخوف الإنسان على نفسه وماله من حكام الزمان وأهله . . . وأما اللازم للحق فهو ذليل لأن الغلبة لأهل الباطل وللظالمين فلا يستطيع صاحب الحق أن يظهر في دولتهم وأيام حكمهم حقه فكم من حكم شرعي قد اختفى نتيجة الحكم الظالم ولم يبق إلا عند ثلة قليلة من الناس . . . ( أهله معتكفون على العصيان مصطلحون على الإدهان ) فأهل ذلك الزمان ملازمون للمعاصي مقيمون عليها لا ينفكون عنها لأنهم بعد ابتعادهم عن الحق دخلوا في الضلال والعصيان وإذا كان أمير المؤمنين ينعى أهل زمانه فكيف بزماننا هذا الذي نعيشه إنه أسوأ زمان عرفه التاريخ . . . زمان أصبح للمعاصي مدارسها الخاصة وقد التزم الناس بالمعاصي تحت عنوان الفن فترى كل الوسائل المرئية والمسموعة قد امتلأت بالرذيلة وشحنت بالمعاصي ودخلت كل بيت وأصبحت في كل زاوية بحيث تحول المجتمع إلى مجتمع معصية ورذيلة . . . وذكر عليه السلام أن أهل ذلك الزمان مصطلحون على الإدهان أي مجتمعون متفقون على المصانعة باللسان دون القلوب فظاهرهم لا يحكي عن باطنهم ، ففي الباطن تناكر وتحاسد وتباغض وأما في اللسان فمجاملة ومتفقون على الكذب على بعضهم . . . ( فتاهم عارم ) فالشاب منهم سئ الأخلاق بدون أدب لأن اليد التي تعهدته بالتربية لم تكن أمينة عليه فلم ترب بذور الفضيلة والأخلاق الكريمة في نفسه . ( وشآئبهم آثم ) فترى تلك الشيبة ملطخة بعار الإثم والمعصية والانحراف عن دين اللّه ومن حق من دب الشيب في رأسه وابيضت مفارقه أن يقلع عن المعصية ويتوب إلى اللّه ويتوجه إليه فيما بقي من عمره . . .